منذُ فترة كنتُ أتجول في أحد المحلات التجارية. أطالع الزهور الصناعية, والأواني المنزلية, واللوحات الفنية...حتى وقعت عيني بعيداً على جسد امرأة يأخذ شكل شمعة بدايتها خيط ونهايتها الذوبان... ما هزني حقاً هو أن تحت ذاك الجسد وضع إعلان بأنها ضمن التخفيضات. نحن نعرضُ أنفسنا يومياً, وبكل ساعة, وبكل دقيقة وثانية لكن ليس دائماً بالصورة التي نرضى عنها. ما أشبه هذه الصور بالواقع.
في عجلةٍ من أمري توجهتُ لجهاز السحب الآلي, أدخلت بطاقتي والبيانات, سحبت نقودي, قبل أن أدخلها, تقاطعني سيدة في عقدها الرابع من العمر كانت تراقبني دون أن ألحظها, نظرت إلي بشيء من السخرية ثم قالت بتذمر: "ليش كل هذا؟..." ثم تعطي محاضرة قصيرة عن الاقتصاد والتوفير ثم تختم كلامها بـ "يمّه منكم بنات هالأيام!"
حقيقة لم أستطع تجميع الجمل وتركيب علاقتها ببعض...فما شأنكِ أنتِ يا سيدة فيني؟ لي حرية التصرف, لو أحرقهم سأقول "كيفي". أستغرب الفضول الغريب, أستغرب كيف أن الناس موجودين عند كل مصيبة, تسأل عن كل شيء وتتدخل بأدق التفاصيل, تعاتب وتطلب ولا ترحم, ومتى ما احتجنا نحن لهم, نلتفت, نبحث, ولا أحد يقف بجانبنا. الناس, الناس...ما دخلنا فيهم وما دخلهم فينا.
صرتُ مؤخراً أعتني بسمكتين صغيرتين. أقف عند حوضهم كثيراً وأقارن حياة الإنسان فيهم. في البداية وجدتهم يعيشون في نعيم, فلا عليهم هم السكن أو الأكل أو الشرب...في ذكر الشرب, فإعتبار أن السمكة تعيش في الماء وأنها تفتح فمها كثيراً, ماذا لو أفرطت في شرب الماء...هل سمعتهم بسمكة ماتت إثر غصة؟ ثم لماذا تعيش الأسماء في الماء أصلاً؟ ألا يمكن أن نعيش في حوض من الـ"بيبسي" مثلاً؟ لو رغبت بذلك وحققت رغبتها هل ستكون ممتنة؟
في لحظة, تمنيت أن أكون سمكة –فيما عدا أن تكون لي حراشف خشنة ورائحة نتنة- ثم تراجعت عن فكرتي حين تأخرت في نومي فتأخرت في إطعامهم. تخيلتهم في ذلك اليوم أنهم مستعدين تماماً لاستقبال وجبتهم كاستعداد صائمٍ ينتظر مدفع الإفطار والذي نسيته تماماً. أتمنى أنهم يسامحوني على تأخيري في إطعامهم وعلى تكاسلي في تنظيف حوضهم الوسخ.
بينما كنتُ أجلس مع والدتي اقتربت منا امرأة لا أعرفها لكن تبين لي فيما بعد أنها تقربني من بعيد فقامت بالسلام والسؤال عن الحال. كان معظم الحديث موجه بالطبع لوالدتي حتى أشارت إلي لتعرفنا على بعض فمددت يدي وابتسمت لها وقابلتني هي بابتسامة أيضاً. لتدفعني أمي وتوجهني بشيء من الحرج: "سّلمي!" ...كنتُ سأتراجع لولا أن السيدة سحبتني لأقّبلها وهي مازالت مبتسمة. أفترض أن التقبيل هو دلالة للحب. وهذه الإنسانة كما تبدو طيبة, لكني لا أحبها بعد ولا أكرهها. أنا ببساطة لا أعرفها فلمَ علي تقبيلها؟