2014-01-22

يجب على الذاكرة أن تفقد ذاكرتها

 
الفكرة الذي أخذت بالي وظلت تدور به وأدور معها بكلي, قد حسبت حقًا أنها تراقصه/تراقصني معك بمعنى آخر لكنها لم تكن إلا عبثًا لداخلي الذي رحب بنواياها الحسنة متأملًا, متفائلًا, محبًا لكنها دارت ودرت وفي كل دورةٍ يتغيّر من وجه العالم ملامحة حتى غاب كل ما أعرف ولا يتركز بالبال إلا أنت; صورة وجهك وتقاسيمه, ثنايا الجلد وأنت تبتسم إبتسامةً أصدق حتى هذه اللحظة أنها لي ثم من بين يديك التي تصل بين روحي وروحك أكثر مما تصل يديك بيدي.. أفلت وسقطت من أعلى أمان الحب وحتى قاع الجرح.
 
ركضت إلى الحمام..
خلعت ملابسي
مزقت جلدي
كساني الدم.
 
أحاول أن أغتسل
يسيل الماء.. فأتساقط
شيءُ هنا وشيٌ هناك
أبقى على الأرض وبعض أشلائي غادرتني للسماء
 
أبكي ولا أدري أين الخطأ؟
ولمن أشتكي؟
أبكي وأعرف أن لا جدوى من البكاء.
 
كيف أردني إليّ؟
لا أريد أن أجتمع بكسور ولا يستهويني الشتات.
 

ماذا فعلت بأناي القديمة؟ 

اشرح لي: من أنا؟
لا أفهم تركيبتي الجديدة!

اعذرني لأن القلب ممتليء بهمومه. ولو أن لأتعابنا وهمومنا أوزان حقيقية نجرها معنا, لأوقفنا ثقلها عن الحركة منذ زمنٍ طويل. ولأنني أعرف هوسك وهوس العالم بالرتم السريع, فالعالم يمضي وأنت تحاول اللحاق به. أما أنا فما عاد يهمني الوصول فأمشي لا وراء قلبي بل معه في كل مرة على الرغم من ضياعه وعلى الرغم من أنه لا يصيب لأنه مثلي لا يعرف لكنه يدرب نفسه على الثقة بنفسه وأنا لازلت أتعلم منه. أعود لباب الشيطان, لـ"لو" التي إستكثرتها علي ولم تجرؤ أن تدق بها الباب ومن ثم تضحك على ضعف قلبي وأنت الجبان. لا تضحك من قلبي, لا تضحك من جرحي لأن الجسد هو أيضًا أرض. ولأن أرضًا مجروحة قد تبتلعك في أعماقها بأي لحظة.

لا تعتذر, فإعتذارك أبعد من النسيان. سأبتعد لأنني غالبًا أستطيع أن أسامح لكن ذاكرتي يا ذاكرتي الجميلة, لا تنطاع. ولا حل لي سوى أنساك ولكي أنساك, يجب على الذاكرة أن تفقد ذاكرتها. وحتى ذلك الحين الذي لن يحين, ستظل روحي تبتسم لك ولو ليس لي في الذاكرة غير مرورٍ لخيالك..

:) 

2014-01-15

يدٌ محبة

طلبت يدي، وأخذتها قبل أن أمدها إليك. وأدهشني أن أصابعك دخلت بين فتحات أصابعي كما لو أن قطع تركيبٍ تشكلت ليكتمل قدرنا. الإنبهار بالموقف وبك أنتشلني من أي شكٍ يتساءل عنك. لم أدرك حينها أن فراغات يدي، لم تخلق لتسدها أصابعك بل لتعينني. وأن يدك لا تحبني وإنما تستهوي القبض على الأشياء فقط -بغض النظر عن ماهيتها- فمسكت بي، وابتسمت. أمنت حينها على يدي بين يديك حتى ضاقت قبضتك علي وتكسرت فيها عظام أصابعي وتفتت. لا قلت آهٍ ولا اشتكيت لكنني في سري تمنيت لو أنك يا حبيبي احتويتني لما انكسرت.
فاجأتني يدك التي وعدتني أن تمسح الدمع لو بكيت أن تختفي وقت التعب. يدي التي أحبت حتى إنكسارها لأنه منك، أفلتها في الوقت الخطأ دون مصافحةٍ أخيرة. تركتها، لتأخذ وعودك الجميلة لغيرها وتترك إنكساراتها لغيرك. لكن يدٌ أخرى أقوى منك سوف تكسرك يومًا، وسآتي حينها لأجبر كسرك لا لشيءٍ سوى إمتنانٍ لك لأنك علمتني أن اليد التي تصفع ليست كالتي تحب.
اليد المحبة تأخذ من القلب ما تعطيه للآخرين. اليد المحبة تخيط جراحها وتلملم التعب. اليد المحبة إن لم تملك ما تعطيك إياه ستضمك. اليد المحبة تتمنى سعادتك. اليد المحبة غير مقيدةٍ بلونٍ أو اسمٍ أو عرق. اليد المحبة هي اليد الحرة التي ترتفع لتشكر الله على كل كسبٍ وفقد. يداي حرّتان كحمامةٍ بالسماء. يداي، يكفيهما منك الدعاء.

2014-01-09

هذه أنا


أنا التي تشتري تذاكر سفرها من المكتبات. أهرب من مطارٍ لآخر دون تعب الطائرات. أحلم كثيرًا باللقاء وأخاف بعد كل هذه اللقاءات الوهمية أن يكون الواقع أقل من المتوقع لكنني مستعدة لأن أجازف حتى أكتشف وأن أسقط حتى أتأكد من عمق أرض السقوط ومن قوانين الجاذبية ومن كل العلوم...

-نوفمبر 2012

لست بكاتبةٍ معروفة ولا غير معروفة. أنا بالكاد أصدق أنني أكتب. الكتابة فعل, والكاتب صفة. أنا أأدي الفعل, أما الصفات فيكفيني أن أكون أنا. أكتب لأنني لا أريد لذاكرتي أن تكون لي سجنًا. لمن أكتب؟ لنفسي غالبًا ولمن يجد نفسه في نفسي. أكتب لأسجل موقفي, لأعبّر عن شعوري, لأصف حالي. أكتب لكي أحافظ على بريق اللحظات وأوثق بهتانها. هي كلها, مشاريع كتابة عما يزعجني, وما أحب, وما وقع أو يمكن أن يقع في محيط إهتمامي. الكتابة الشخصية هي جلسة من البوح للتعرف على الذات ولا أنجح دائمًا في إستخراج خلاصة الكتابة أو المغزى من العرض الطويل ومع ذلك فإنني أكتب لكي أتمكن من إيصال النقاط مستقبلًا لرسم صورةٍ حول أمرٍ لم أكن أفهمه. ولأن الغموض الذي يحاوط القضايا يجعلني أتساءل. أنا أسأل لأنني أرى بالسؤال وأجيب السؤال بسؤالٍ آخر وكلما ظننت أنني أصل إلى نهاية, يتضح بعدًا آخر. المحطة الأخيرة, ليست هنا. المعرفة التامة, ليست الآن. السؤال طريقٌ طويل, الإجابة لا تهم حقًا. أن يقودني سؤالٌ لآخر خير من أن أصل إلى سد الجواب بأن أقبل أمرًا على أنه صمم بهذه الطريقة, أو أحاول إعادة تصميمه ليليق بأسئلتي الضخمة فأبحث أين؟ كيف؟ متى؟ لماذا؟ لمن؟ لما؟ ولما لا؟ كما قد لا يكون العيب بالإجابة, بمثل ما قد يكون بالسؤال. من النباهة, أن أعرف ماذا نسأل فالإجابة لن تأتي, بل أنا من يتقدم لها. لذا, فيجب أن أعرف أي بابٍ أطرق. ولو فتح الباب, فلا أضمن لنفسي الدخول. أين مفاتيحي؟ السؤال المكرر صار مزعجًا, الجرس مقطوع: ماذا سأفعل؟

لأجلك في رأسي أسئلةً تخرج أفواجًا أفواج
تخرج بالشارع باحثةً ومعها أركض بلا إحراج
أقطع بالآخر طريقًا وشريط.. أوأصدم بعنفٍ أي جدار
لن أحبس نفسي في سجنٍ أنتظر فيه عن الإفراج
أسئلتي وأنا نتعاون.. سنصلح جرحًا, سننير سراج
 ما شكل العالم لو جئنا وخرجنا منه دون نتاج؟

-نوفمبر 2011  
لابد للكاتب من أن يضم حروفه, لا بالضرورة في كتاب, لكن أن يضمها قريبًا من روحه. ولكي يتحقق هذا القرب, تكون التجربة بكامل شعورها أن يكون الكاتب هو المخرج والمصوّر والبطل والجمهور والناقد الأول لنفسه. وحينها سيدرك أن لكل تجربة روح. وليس من حقه خلقها وخنقها في درج الذاكرة وإنما واجبٌ عليه العناية بها حتى تصدر وعندئذن هي لا تعود له, الكلمة تمثل نفسها. القصة موجودة حتى بغياب كاتبها. القصة خرجت من سطوة الكاتب. وما من نصٍ يخرج من محض الصدفة. لابد من علاقةٍ بالواقع. نحن نعيش الكلمة التي نكتبها. لهذا فأنا أضعف كثيرًا, أخجل, أخاف, أبكي لخاطر فكرة, وأختبر الشعور. ثمة مقولةٍ لـ أوسكار وايلد: "اعط الرجل قناعًا وسيخبرك بالحقيقة." وأتساءل: لماذا تخرج الحقيقة مقنعة؟ لأننا لن نحتملها بوجهها الطبيعي, لأننا نحن من لا يتقبلها كما هي بل مزينة بأصباغها لتبدو أجمل. كما لجبران رأيه أيضًا فيقول: "هؤلاء الذي يفهمون مقاصدنا, يستعبدون جزءً منا." وأوافقه, أوافقه جدًا. لأننا حين نتفتح فإننا نعطي مجالًا للدخول. القراءة تمنح قارءها فرصة التجول بداخل الروح. تخيّل أن بداخلك أشخاص لا تعرف سوى أنهم يقرؤونك وليست عندك أدنى فكرة عما يريدون أو يطمحون من قراءتهم تلك. للكلمة طاقة, ولأن هذه الطاقة تتحرك كرصاصةٍ في حين, وفي حينٍ آخر تنساب كقطرة ماء. ولأن الأثر هو ما يصنع الفرق, لابد من الإنتباه. لأن مجموع هذه الكلمات سيتشكل مرةً أخرى بعد الكتابة والطباعة في ذاكرة القارئ بإضافاتٍ أخرى من مخيلته. فليت كل ما يتشكل في الخيال جمال. لكن حتى هنا, عند عتبة الجمال أقول أن ليس كل جميلٍ هو ما يسر القلب, فحتى للوجع أن يكون جميلًا.

يا وجعي الجميل إني أكتب لك بحريّةٍ تامة كما يملي علي مزاجي لا كما تشتهي.. يجب أن أوضح, أحزاني ليست للفرجة, قلبي ليس محطة سياحية. إني حين أكتبتك أخرج في رحلةٍ كما كولومبوس حين إكتشف لأمريكتان.. عساي أتعرف عليك, أستكشف ملامحك, ولا يهمني أن يسجل إسمي بالدفاتر أو التاريخ. يكفيني أن أعيش تاريخي بنفسي.. ولا أزعم أنني يومًا سأصل وأنجح فربما, تتغيّر الخريطة, وربما سبقني آخرون, وربما ليست لي في قارتك مكان لكنني برغم ضعفي لا أتراجع.. وها أنذا أدونه كاشفةً عني وعنك لأن الصمت ماعاد بيتي. وأعرف أنني حين أكتب وأتكلم وأرسم فإنني أتكشف, وأن العالم لا يحب العراء لهذا فهنالك دائمًا من يتصدى لمحاولات التعبير. وأعرف أن هنالك من يحاول خلق الفضائح من الصدق الذي لا يستطيع هو الإتيان به.  والحقيقة أنني ما عدت أخاف أن أتبيّن..  هذه حقيقتي, هذه أنا كما خلقني ربي.

:) 

2013-12-31

لا عدوٍ ولا حبيب

 
هويتك وسهمك رماني
في البال أنت, بالحلم, بالزرقة في إنعكاس الماء, في ممرات الذاكرة, في صور الأصدقاء..
أنت هناك ولا هنا
هناك تسكن الأماني.
 
أسرح بك فتأخذني فكرة, يأخذني سؤال, تأخذني ذكرى, يأخذني إحساس, يأخذني إنشغالي بك عني.
ماذا أقول لك؟ كيف أختصر ما بالقلب؟ كيف أعتصره؟
نجرب كلمتين؟
العيون نافذة,
عيناك نافذتي.
النافذة مدخل,
بابك مقفول.
قلبك أعمى,
لا يراني.
 
نحاول مرة أخرى؟
الطريق طويل,
للصبر حدود.
قلبي دليلي,
القلب بوصلة.
البوصلة معطلة,
أخطأت العنوان.
الرسالة وصلت,
الريح تمر.
أنا وأنت,
ملف شخصي,
ممنوع الدخول.
 
أهلوّس.. لا تكترث كثيرًا, لا تكترث قليلًا.. لا تكترث على الإطلاق.
 
لا أنت قمري ولا أنا سماؤك
لا أنت أغنيتي ولا أنا رقصتك
لا أنت عيدي ولا أنا هديتك
لا أنا بقلبك ولا على لسانك
فلا أنت الحبيب, لا الصديق, ولا العدو.
تنساني وتلقاني
فيمر البعض بالكل
بلا حكيٍ عن يومي ولا عن حالي وأقصى مراحل الكلام بيننا هو سلامي.
سلامي لك وللذكرى وللماضي ولأجمل الأماني.
 
 
:)
 

2013-12-01

شتاءٌ يمر على قلبٍ متجمد


ولكي يثير إعجابي أخبرني أنه لا يمانع مصافحة النساء لأنهن برأيه لسن من النجاسة -على إفتراض أن الذين لا يصافحون النساء هم يتجنبون نجاستهن، مثلًا؟- لماذا ليس العكس؟ لماذا المرأة هي الطرف السيء حتى بالتمثيل الإفتراضي؟ 
تقول صديقتي: "فلان تأخر في فرض النقاب على زوجته" وحين استفسرت عن حقه في ذلك قالت عنها "جميلة" وهي فعلًا كذلك لكنني لا أفهم ما دخل النقاب بالموضوع؟ ألا يجب أن يكون النقاب رغبتها أولًا؟ لماذا هو إختيار الزوج؟ لماذا تبدو الأنثى طفلًا لا يعرف مصلحته. من الأصل، يحق حتى للطفل إتخاذ قراره بتوجيهٍ من أهله وليس بفرض قرارهم عليه. لماذا هذا الهاجس الغريب من كل شيء يحيط بالأنثى؟ لماذا كلمة العيب تلاحق المرأة وتظهر لها في كل مكان; في الشارع، في البيت، بإنعكاس المرآة، بصفحات الكتب، بنظرات الأقارب، بصينية الطعام الذي لم تعده بنفسها لأنها لا تعرف كيف تطبخ.. فيكون لابد لها من أن تهرب، تختبئ تحت السرير أو خلف الباب.. أو كما في حالاتٍ كثيرة، خلف رجل. يا رجل، لا أريد مكانًا خلفك، لا أريد أن أختبئ تحتك. أريد مكانًا معك. لا تشدني من شعري، امسك يدي. لا تلف يدك حول عنقي، لفها حول خصري. لا أريدك أن تحل مشاكلي، فقط اسمعني. 
المرأة في مجتمعنا تضحي ثم تضحي ثم تضحي لأجل الرجل.. تتحمل حماقات شبابه، اهماله، قل إهتمامه، عدم مسؤولية… ويتوقع منها العالم أن تصنع منه رجلًا لا أن تستقبله رجلًا. وبدورها يجب أن تعتني به وبأبناءه الذين ستنجبهم منه ويجب أن تصبر وتتحمل وتترك صديقاتها وإختياراتها. يجب لكي تكون امرأة (سنعة) أن تكون طاولة يضع عليها رجله وقت عودته من العمل. وخزانة ملابس متحركة ليعجب بها. مزهرية في كثير من المناسبات. ودواسة أخذية حين يقرر لها ذلك.. لكنها نادرًا ما تكون إنسانة يحق لها كما يحق له أن تتكلم، تعبّر، تخرج، تعمل، وأن تأخذ يومًا إجازة لترتاح عن كونها آلة لا تتقف. 
ماذا أقول عن امرأة أفنت عمرها بغربة خاطر لأجل أن تسعدك وخذلتها؟ انتظرتك تكوّن ذاتك، وحين اكتملت بعد الأربعين تزوجت من أخرى. المرأة التي سلبتها كل ما تملك لتعود لك. تحررت منك. ظل إحساسها بالحياة معك شمعة احترقت حتى وصل خيطها لنهاية. وما عادت تحترق، برد إحساسها لأجلك. وأعجبها الشعور.

2013-11-15

الحب مرة أخرى

"للقلب خفقة واحدة في حياته وبعدها تتساوى كل الخفقات "-عبده خال

كم أزعجتني تلك العبارة لحجم اليأس الذي تحمله والتفكير المسبق بالحكم على الأمور قبل تجربتها.

" من الغباء أن نكرر نفس التجربة و نتوقع نتائج مختلفة." -انشتاين


عذرًا انشتاين, لا أوافقك الرأي, إن الغباء لو طبقنا تلك النظرية على كل شيء. إن الحب من ضرورات الحياة كالماء والهواء وبغيابه لا نستطيع أن نعيش. إنه احساس يولد و يموت معنا, لا يشيخ لكنه يكبر, لا يموت لكنه قد يغير اتجاهه برغبتنا أو بخارج ارادتنا لكنه موجود دائمًا و لا يجب أن نتجاهله.

إن الفشل في علاقة لا يعني عدم قدرتنا على الحب, إنما عدم التوافق التام فيها أو لنشوب خلل في مكان ما أو زمان ما فيها. وذلك لا يمنع أن ندخل في تجربة أخرى تحت نفس المسمى لكن من أبواب جديدة.

عند الغرب إذا أحبت إمرأة رجلًا نذرت نفسها له. فلا تتزوج إلا هو. وإن مات تتعهد نفسها بأن لا تكون لغيره ولا تحب غيره وأن تقضي بقية عمرها على ذكراه وانتظار عودة لن تأتي. هم يسمون ذلك وفاء، أما أنا فأسميه هراء وسخافة!
ذلك ليس حبًا! إنه فشل!


" أنني أصر!
لابد أن أتحدث قليلًا عن الحياة بعد موتي
لا تفزعي!

فالموت توأم الحياة, والحي يخرج من الميت, والميت يخرج من الحي.

إستمعي!
أقول, أولاً, لا تبكي ولا تنتحبي فأنا أريد أن أرحل على مركبة من ضحكات وابتسامات.
وأقول ثانيًا, لا تلبسي السواد فقد عهدتك وعشقتك بيضاء كالثلج والفجر والياسمين
وأقول ثالثًا, أنني أودّ أن تتذكريني..
هل هذا مطلب أناني؟!
أودّ أن تتذكريني على البحيرة الزرقاء التي عبرناها ألف مرة ومرة.
وأود أن تتذكريني في الغابة السوداء التي مشينا فيها ألف مرة ومرة.
وأود أن تتذكريني مع قمر الخليج الساهر الذي سمرنا معه ألف مرة ومرة
وبعد ذلك قفي!
وتذكري:
البحيرة الزرقاء, أيتها الغالية, ترحب بعشاقها بي وبدونيو الغابة السوداء, أيتها الغالية, تحيّي زوارها بي وبدوني وقمر الخليج الساهر, أيتها الغالية, يسامر العو بي وبدوني سيري إذن مع الحياة...
في البحيرة الزرقاء, في الغابة السوداء, مع قمر الخليج الساهر.
وتبسمي إذا طفت ببالك...
قولي: 
كان لي..
كان لي وحدي! "
-غازي القصيبي





هذا هو الحب, القدرة على المواصلة والرغبة في الحياة قبل كل شيء.
إن الذين يشككون في قدرتنا على الحب هم فشلة يحاولون أن يواسون أنفسهم على فشلهم برؤية غيرهم يفشلون. 
إننا جميعاً باختلاف ظروفنا, أشكالنا, أعمارنا, قادرين على أن نحب. فحب بقدر ما استطعت لمرةٍ ومرات.

: )
-ارشيف ٢٠١٠

2013-11-02

الحب صلاة


بحريّةٍ وبإختيارٍ شخصي, نحن نصنع أماننا الخاص ومناطق الإرتياح. ولأننا بطبيعتنا البشريّة نخاف مما لا نعرف فنحن نبتعد عنه. وبصورةٍ ما, بينما ننحبس في مناطق إرتياحنا الصغيرة, نضيع فرصنا الكبيرة ونبتعد عن أنفسنا. لأن الروح أعماقٌ ممتدة سبيلها التجربة والإكتشاف. فإذا أوصدنا باب المعرفة, فلن نصل أبدًا إلى تلك الروح. 
أوصيتني بروحي فقلت لي: "أحبيها!".. ولخاطر روحك الغالية عندي أحببتها. أنا أحبني لأنك تحبني, وحين أحب روحي, أحبك أكثر. الجسد قفصٌ, وروحي طائرٌ حر لابد له من الخروج. فتحت يدي والقلب فكانت المعجزة أن طار قلبي دون أن تكون له أجنحة. والروح سافرت بسلامٍ دون أثرٍ للتقفي. هكذا بدى الحب لي, إنه تجربة الموت بحريّة خروج الروح. وهناك, على حافة الحياة, أتساءل:"هل أنا حقًا أنا؟ ومن أنا؟ وماذا سأكون؟ أفأندم؟ وبماذا سينفعني الندم؟" رحت أركض طويلًا لألحق بي دون أن أعرف مكان الوصول, فلا إكتشاف حقيقي وأنا أعرف النهاية. وبالطريق أستوقفتني إبتسامة وردةٍ جلست قبالها بالساعات وقبل أن تنغلق على نفسها بالمساء, باحت لي بأسرارها عطرًا. لقد علّمني عطر وردة, إذا أحببت وردةً بالطريق, فتعال اسقها كل يومٍ. لا تقتطفها فهذا حب متوحّش. للحب صورٌ عديدة. لكن العالم يصر على وجوده الأوحد بكلمةٍ على الرغم من أنه فعل! حين أهلكني التعب, نمت على حافة رصيفٍ بالطريق وإذا بي بت وردةً فاجأتها يد من تحب وهي تحاول قطفها. خيبتي لم تكن هزّة كتف بل أقرب لأن تكون صفعة وجةٍ أو صفعة قلبٍ إن أمكن القول. لكنني برغم ذلك, ممتنةُ لليد التي أيقظتني لأواصل المشوار, لأعتني بالورود الأخريات, وأتعلّم أننا ندور العالم, ولا نلتقي إلا أقدارنا. وأخيرًا, إلتقيت روحي التي كانت غائبةً فيك ثم بعد ذلك,أنت ابتعدت. لأضيع مرةً أخرى. ولا أعود حيث كنت, فحتى لو وقفت على نفس الأرض, ونفس التراب, ونفس الجسد القديم, فالروح ما عادت هي الروح ذاتها.
 
الكلمات بالتكرار تتجرّد من معانيها لذلك تكون الكلمة الغالية صعبة لا تأتينا كل يوم حتى لا نعتاد عليها فلا نعود نشعر بها. سأقول بأنك حبيبي كل يوم. فربما الروتين بالتكرار ينزوي ببطئٍ ناحية الملل. لكن الحب كالصلاة. والصلاة على خلاف كل ذلك. الصلاة هي تجربة روحانية, إتصال رباني مذهل, بل إنها تحقيقٌ لأعلى مراحل التواصل. إنها خطابٌ مباشر دون وسيط.. إنها لقاء الأحبة. وإذا كانت صلاتنا باردة, فلمن تكون حرارة اللقاء؟ صلِ لي لكي أصل. صل لي, لكي أرتاح. كيف تكون الصلاة مريحةٌ جدًا؟ لأنها تجعلنا نستشعر وجودًا ما, نحس بقرب العلاقة, وبأن هنالك من يسمع ويحس, وبأننا لسنا وحيدين في هذا العالم. كثيرًا ما أرى الناس يصلون بالمساجد إلا أن ملامحهم تختلف. البعض يصلي ليرتاح من صلاةٍ فرضت عليه, والبعض يصلي ليرتاح بها. إنه فرقٌ بسيط بدرجات استعدادنا لكنه يحدث فارقُا كبيرًا. الصلاة هي أكثر من مجرد حركاتٍ نؤديها, لأن الحركات هي نقلٌ حرفي وشكلٌ ظاهريٌ. وحين يؤدى الفعل جسديًا وهو خالٍ من المعنى, لا تشارك الروح في العمليّة فيتحوّل الفعل إلى عملٍ مبرمج قد تتفوّق الآلة فيه على الإنسان. شيءٌ ما يستجد ونحن نرتل الآيات, ونحن نفرّغ قلوبنا بالكلمات "اهدنا الصراط المستقيم" .. أتذكرك بصلاتي, وفي كل مرّةٍ -برغم غصتي بك, وتعبي منك- أدعي لك, ولا أدعي عليك أنت الغائب أبدًا, يسألوني عنك, كيف هو شكلك. وهي كل مرةٍ أذكر لهم صورةً مختلفةً لأن الحب متجدد. وبهذا, فإني كل يومٍ أضيع وأسقط وأقع بالحب مجددًا, فأحب سبعين ألف مرةٍ وفي كل مرةٍ تكون أنت حبيبي.
:) 

2013-10-14

دراسة في لوحة

 
أنا الآن وحدي أقف أمام الصورة, وليس متوفرًا لي عنها سوى سطرٍ واحدٍ مكتوبٌ به اسم الفنان, تاريخ ولادته ووفاته, مع عنوان اللوحة. كل شيء آخر يرجع لتحليلي له. فكيف أقرأ الرسم وأرسم ما أقرأ أو أغنيه؟ كيف أستقبل تجربة الفن أو فن التجربة وأتعامل معه؟ 

أمر عند لوحة للفرنسي نيكولا بوسان وليس ثمة أحدٌ يقف بجانب اللوحة ليشرح لي عملًا بعمر مئات السنين. أتأمل المشهد, إنه حالة من الفوضى, والناس بأياديهم المرفوعة للسماء يدعون ويصلون لكي يمّن الرب عليهم بمعجزةٍ تنقذهم. بينما فقد البعض إيمانهم بعد طول إنتظار إذ بدى الفقر والحرب أشد من الله كما ظنوا. أين قرأت الفقر باللوحة؟ بالأكواب الفارغة, بالأكياس المفتوحة, بالملابس الممزقة, والوجوه المتسخة. هؤلاء الذين يسكنون اللوحة, هم على أملٍ وإنتظار.
 
ماذا يريد الفنان أن يخبرني من كل ذلك؟ إنه على خلاف من جاؤوا بزمانه, فإن فنه ليس دعويًا بحت. أجد إهتمامًا واضحًا عنده للتعبير, بالرغبة في إظهار ردود الأفعال المفاجأة حول الإيمان والفرح.
يمكنني تحديد نقاط إنتقال موزون بين عناصر اللوحة وهو إستراتيجية اتبعها الفنان ليساعد المشاهد بالإنتقال. وقد وظّف الشكل مع اللون ليساعدانه في ذلك. كل لوحة تقول قصّة بإختلافٍ وإنفراد. فكيف أقول قصتي في لحظة؟ لحظة إلتقاء العين؟ لحظة الحدث. كيف لألف كلمة أن توجد في لوحة دون أن نضع إطار أو نصغّر الخط؟ كيف يلائم الكل بعضه؟ هل أحتاج أن أدخل عقل الفنان لأفهمه؟ لابد, ولكن كيف؟
 
درس في التاريخ: في القرون الوسطى, أو ما يسمى بالعصر المظلم كانت القوة للرب, ثم للكنيسة, ومن بعدها تكون للحكام. وكانت الكنيسة حينها تمارس سلطتها كما تشاء ولو بغير عدل. فتقلل من شأن المرأة وتفاضل بينها وبين الرجل, تضع مقامًا للشخص بناءً على لونه ومكانته الإجتماعية التي يكتسبها من المادة, كانت تصل للتعنيف ضد المفكرين والظلم لمجرد إختلاف حول معتقد. فما تدعو له الكنيسة, مهما بدى متناقضًا, لا يحق لأحدٍ الإعتراض عليه أو التشكيك به. عليك أن تؤدي ما يطلب منك, وأي محاولة تفكير هي مشروع كفر يجب أن تتراجع عنه وإلا ستضطر الكنيسة أو من يمثلها بإجبارك للتراجع لأنك سفيه, ولأنهم أعلم بمصلحتك. ومن هناك, جاءت الحاجة للتعبير بإستخدام الرمزية كوسيلة للتواصل والمحافظة على المعرفة.
 
هنا, لا توجد الكثير من الكنائس. وحتى الكنائس فلقد تطوّرت وليست كسابق عهدها بل باتت تشجع الفن والتفكير. لكن هنالك مجتمع قمعي يمارس ما كانت تمارسه الكنيسة في القرون الوسطى بل وعلى مستوى أردى وأسوأ. فهل يضطر الفنان أو المفكّر في يومنا هذا أن يختبئ وراء لوحة كي لا تنزعج الكنيسة أو يثور عليه المجتمع؟ كيف نعيش في أمان المجتمع لا بخوفنا منه؟
 
أنتقل للوحة أخرى, اسمها: Et In Arcadia
والترجمة الحرفية للعنوان هو: (إني موجود حتى في أركاديا) من ذا يتحدث؟ إنه الموت. مشهد هذه اللوحة مصوّر في أركاديا. وأركاديا هي منطقة جبلية في اليونان حيث كان رعاة الأغنام يعيشون حول الشمس حياةً طويلة. أركاديا تمثل الطهارة, السلام, والحياة المثالية السعيدة بعيدًا عن التمدن وإزعاجه. تأتي أهميّة هذه اللوحة لكونها أول تعبير مرئي للفكرة وليس للتعبير الحرفي لها. إنها المحاولة الرمزية التي تصوّرها. كمحاولة وصفٍ سأقول أن المشهد يتشاركه ثلاثة رجال وامرأة مجتمعين حول تابوت حجري محفورة عليه عبارة يشير إليها أحدهم باصبعه. وجود الرعاة هم نقطة التركيز في اللوحة, والمرأة تمثل الحق والرعاة. أو كما يعتبرها الكاثوليك, فإنها مريم العذراء.
  
قد سبق هذا العمل عملٌ آخر ثم تطوّر حتى آل لما هو عليه. فالقبر صار متوسطًا وما حوله شبه متناظرين. أما سابقه, فكان يظهر جمجمة لترمز إلى الموت وهذا تمثيل حرفي له. الموت ليس بالعظام. بعض الموتى يمشون حولنا, بعض الموتى لا يددرون أنهم ميتين إذ لم يصلهم بعد خبر وفاتهم. ثمة من لم يحيا حتى يموت. خشيت مرّة وأنا أحدث الموتى أن أخبرهم أنهم موتى, فيموتون من الصدمة!
 
على كل حال, اللوحتان تظهران إختلافًا في طريقة التلوين وتوزيع الظلال والنور بالإضافة للتركيب الهندسي المبسط التي توصل له في لوحته الأخيرة يشهد على نضج فكري بين المرحلتين. وجود المرأة وهي ممسكة بلباسها يظهر حركة وتفاعل مع المشهد على خلاف اللوحة السابقة حيث كانت تجلس بصمت.
 
لماذا تطري عليّ هذه اللوحة؟ والآن؟
لأنني شهدت على موت أحدهم. والصدمة ليست بأن شيءً مستحيلًا تم, لكن لأنه لم يكن متوقعًا. لأنني دخلت اللوحة, أنا هي تلك المرأة الواقفة بين الرجال تقرأ السطر المكتوب على القبر بكل رعبٍ, مفاجأة, وعدم تصديق.
الموت يمر من هنا, ولا أدري كيف مر ولم يره أحد لكنه ترك الأثر. هذه اللوحة تقول أنه حتى هناك أو هنا.. مهما بدت الحياة مثالية فثمة ما يمكن أن يفسدها. بل أن ليس هناك حياة مثالية. كل شيء يوجد مع ضده. وإن كنا وصلنا معًا إلى قمة السعادة, فقد نصل لقمة البؤس. ولا هذا ولا ذاك يدوم.
ولأن بعض الذين سبقونا عمرًا سبقونا بتجاربهم.. تدعو الجدات متى ما ضحكنا بصوتٍ عالٍ: "الله يكفينا شر الضحك!" وهل الضحك شر؟ إنهم لا يفكرون بالضحك على إنفراد, إنهم ينظرون إلى الإزدواجية التي تأتي بها الأشياء. ولذلك يرفضون المطلق من أي شيء, لأنه طريق الضد.
ولن أقول أين وصلت الآن.. لكن إيماني كبير, ولازلت أصلي لمعجزة.
:)
 

2013-10-13

يومًا ما...

 
 
لم أتحسس الجدران, لم أطعم الطيور التي أخفضت أجنحتها لتدور حولي, لم أتحدث مع أي غريبٍ بعمق, لم أكوّن صداقاتٍ جديدة, لم ألتقي بالفنانين لأسأل ما صنع منهم ما هم عليه. لم أصطد قوس قزح, لم أتذوّق الأيس كريم المزيّن بقطعة شوكولاة "فليك" فوقه, لم أزر بوتيكات الملابس التي لم يحن وقتها بعد لتكون ماركاتٍ عالمية, لم ألتقط كثيرًا من الصور كما إعتدت..
 
لقد كان ذلك بعضًا مما إفتقدته في سفري الأخير, ويا للأسف على ما فات. يقول مارك توين: "عشرون عامًا من الآن, ستكون محبطًا من الأشياء التي لم تفعلها أكثر من الأشياء التي فعلتها." إن لم أحيا الآن, فمتى سأحيا؟ أنا لا أحتاج عشرين عامًا لأدرك حاجتي. أنا متحمسةٌ جدًا لتجربتي في الحياة, ولا أريد تفويت أي جزءٍ منها. لطالما تخيلتني وأنا بعمرٍ كهذا, في صورةٍ مختلفةٍ تمامًا عما أنا عليه الآن. لا شيء أبدًا بحالٍ أفضل مما يصنعه خيالنا له. وأخافني جدًا أن تقدم لي أحدهم بسؤال وأجبت بعفويّةٍ تامة: حين أكبر سـ.. حسنًا, ماذا يعني أن أكبر؟ متى سيكون ذلك؟ ماذا أنتظر؟ وما معنى أن نكون كبار؟ لن أنحر الطفلة بداخلي وسأعتني بها مع العجوز الإنكليزية التي تعيش أيضًا بداخلي. تقول أمي أني جئت في زمنٍ غير زمني وتستغرب حنيني لماضٍ لم أكن فيه لكن ما لا تدركه هو أنني عشته بطريقةٍ ما, وصلت له دون آلة زمن. الزمن خرافة. ما يحول بيننا وبين ما نريد هو الرغبة. ماذا بعد؟
 
لم أخرج بنزهةٍ طويلة لأفرّغ إزدحام رأسي ولا حتى للكتابة. كل شيءٍ كان على عجلة ولست موقنة عن أسباب تلك العجلة. لقد خفنا أن يفوتنا شيء, وفي تلك الأثناء فاتتنا أشياء كثيرة. تقول غادة السمّان وأوافقها القول: "المدن كالنساء, لا يمكنك أن تقع في حب مدينة وأنت تتحرّق شوقًا للقاء أخرى." ولكي أصل لحالة الحب, لا تكفيني النظرة البعيدة. أريد زيارة مدن الملاهي, المتاحف, المزارع, الأسواق القديمة, المسارح.. لا المطاعم فقط. لا أريد أن أصل إلى آخر العمر دون أن أحياه.
 
لباريس.. ولكلٍ باريسه: سنلتقي يومًا ما.
:) 

2013-09-05

فضيحة!

 
بطفولة أخي المغتر بكرشه, كان يحيك الخيال قصصًا كثيرة عن كرشه الصغير كما كان يعتز به كإنجازٍ بطولي يستحق الذكر في كل مجلس. بل ربما لم يكن كرشه هو الإنجاز البطولي وإنما البطل ذاته, بطل يعيش بداخله. كما كان هو إجابته لكل سؤال, نكتة, وحديث.
على سبيل المثال:  
"أين التلفاز؟
في بطني.
لماذا هو في بطنك؟
حتى يتسلى الذين في بطني.
من الذي في بطنك؟
من ليس في بطني؟
ماذا يفعلون في بطنك؟
يعيشون.
لماذا اختاروا المعيشة في بطنك؟
وهل أفضل عيشه من بطني؟ الخير كله هناك." 

وهكذا فإن كرشه هو يوتوبيا من نوع خاص. كما أنه مركز التفكير, مركز الحركة, ومركز الحياة.
أنا لا أختلف عنه كثيرًا, معدتي خالية لكن رأسي ممتلئ بما فيه. "أنا ممتلئةٌ بك."* أنت تنام في رأسي وأنا أسهر بسببك. 
في رأسي لكل فكرةٍ رأس. وأفكاري منها ما هو في مهده, ومن هو في طيش شبابه, كما هنالك الأفكار الهرمة والكسولة. علمًا بأن حال الأفكار كما حالنا منها ما هو مؤنث ومذكر وما لم يتم تحديده بعد. حسنًا, ماذا تفعل الأفكار في رأسي؟ إنها تعيش.  
ألقبه بـ(اكس) كما هو المجهول بمسائل الرياضيات, بجانب أنه الغيمة التي ننبه بعضنا بوجودها عند حضور من لا يحمل معه مظلّة.. "والسما فيها غيم". إنه شخصية إفتراضية ابتكرناها أنا والأصدقاء منذ سنوات. وهو الآن في الخامسة من عمره لم يتغيّر رغم إصرار صديقتي على أنه صار في السابعة. نتناقش قضاياه وإهتماماته بين حينٍ وآخر وتشتد نقاشاتنا حوله كثيرًا. ويحدث أن أتمنى لو آتي به ليشهد على صحة كلامي ويثبت كم أنا قريبة منه وأفهمه. وأحيان, أرتبك حين يمر طفلٌ يشبهه. لأنه شخصية بخيالي. لكن أليس الخيال شيءً من رقي الواقع؟ لذا, لن أتفاجأ لو تقدم لي أحدهم يومًا وقال: "هذا أنا.. الشخصيّة التي ابتكرتها في خيالكِ قد خرجت أخيرًا من رأسك لألتقيك.. أنا أيضًا مهتم أن أتعرف عليك." ما فائدة كل الأفكار برأسي مادامت حبيسةً فيه؟ 
تخيفني الأمور الكثيرة التي لا تتم إلا برأسي.. في خيالي الذي كهذا الكون; يتوسع منذ الأزل. وأنا محتارةٌ بنفسي وبالآخرين. يقول أدونيس: "أنت لا تكرهني, أنت تكره الصورة التي رسمتها عني وهذه الصورة ليست أنا, إنما أنت." بالتالي فإن الآخر لا ينفك أن يكون إلا صورةً بالنفس سواءُ إذا أحببتها, كرهتها, أو لم أحدد شعوري اتجاهها, فإن هذا الشخص هو بطريقةٍ ما..أنا.
بآخر الليل, وأنا جالسةُ على طرف السرير, أفك ضفائر شعري بعنايةٍ, كما لو كان في رأسي لغم. أخاطبك, يا أنت.. يا أناي التي عجزت أن أسميها. دخيلك, تركت بلاد الله الواسعة وجئت تسكن بداخلي؟ كنت على وشك أن أسألك: "هل خطرفي بالك...؟" ثم تذكرت بأن بالك دائمًا بأمان. الخطر في بالي أنا. كل حدٍ يحده تفكيرنا. وهذا القلق الطويل يمكن أن تربطه تنهيدة أو تقطعه ابتسامة. 
في رأسي الخير والشر, في رأسي أصواتٍ كثيرة. وأنت الفكرة المتضاعفة, الفكرة التي عاشت وأنجبت لي أطفالًا مشاغبين يحبون اللعب.. متى ما نعست, أحدثوا ضجةً كي لا أغيب عنهم. وها هم منذ أول الليل يركضون برأسي فلا أنام. 
أفلاطون عجز أن يخرج مدينته الفاضلة من رأسه. فكيف سأنجح أنا بإخراجك من رأسي دون أن أكسر جمجمتي ولا تنكسر أنت؟ أشتكيتك لصديقةٍ قالت أنها الأخرى تمر بحالةٍ مشابهة. وبعد أيام, أبلغتني أنها حبلى.
يا للفضيحة, أنا حبلى منك ونحن حتى لم نتزوّج!
 

-تمت- 

*غادة السمّان
: )