2011-09-06

كرسي

غرفة الانتظار, حيث أنا, حيث أكون.. على ذلك الكرسي. أراقب شاشة الأرقام كي لا يفوت رقمي وأضطر لأن آتي مرة أخرى, بالرغم أني على يقين بأني سآتي لمراتٍ كثيرة بعد هذه المرة, لكني لا أريد أن أتأخر أكثر, ولا أدري علامَ سأتأخر وإلامَ أنا مستعجلة. إني انتظرت طويلًا حتى نسيت ما أنتظر. ولست وحدي أنتظر, فأحلامي تنتظر دورها لليقظة كما الأشياء التي لازلت أعشم نفسي بها, وكل ما حاولت الاقتراب منه ومني يبتعد. تعودت أن آتي كل أسبوع حتى صرت أحفظ رائحة المكان, طهره, حوائطه الخالية إلا من بعض الزرقة, والملصقات التوعوية المملة. قضاء أوقاتٍ طويلةٍ على هذا الكرسي يحرر بالي من التزامات تقيدني خارج البنيان الذي أنا فيه. كل شيء هنا بيني وبين هذا الجسد المتعب. ولولا حاجتي لما جئت, لكنت في مكانٍ آخر.. "سانتوريني" مثلًا. في بيت لا تقاس مساحته بالمتر المربع, وإنما بالسعادة التي تسكن داخل جدرانه. البيوت تنام على البحر, وتنكشف على السماء, كأنها مجسمات ألعابٍ صغيرة تغريني بأشكالها وبنيانها. إنها جنة على الأرض, جنة لا أستطيع الوصول إليها.

الوجوه هنا تمر كالأشباح, خالية من التعابير, سريعة كالريح. بت أألف بعضها. الناس يدخلون ويخرجون دون صوتٍ أو تحية. لعله التعب الذي يحوم فوق أرواحنا المنهكة قد تلاقى\تعارف على بعضه فتكتفي الأغلبية بالجلوس بصمت لأن أوجاعهم أشد من رغبتهم للتعارف أو الحديث.

في يوم, خرجت سيدةٌ كبيرة من العيادة وجلست بالكرسي المجاور لي حتى تأتي خادمتها بالأدوية, أو يصل سائقها قرب الباب. كما جرت العادة منذ عرفتها قبل عامٍ ونصف. هي منهم, لا تحكي كثيرًا. تسألني عن حالي, نتبادل أحاديث قصيرة إلى أن يصل الدور ونكتفي. وكنت أحبها لأنها لطيفة. أذكر أنها بغمرة فرحها دعتني لحضور زفاف نجلها\آخر أبنائها وأصغرهم لأشهد أجمل أمانيها تتحقق. ولما لبيت الدعوة فرحت بي جدًا. حين رأيتها تلك الليلة, كانت امرأةً أخرى, تشع فرحًا. وبريق عينيها لا يخفى عن أحد, على خلاف مرضها التي استطاعت أن تخفيه بشكلٍ محترف.

قالت لي: الموت يعرف مداخلنا جيدًا. إنه ليس بحاجة للطرق على أبواب أرواحنا ليصل إلينا مادام يحتفظ بنسخٍ من مفاتيح الخوف المفاجئ لأسباب أبعد مما نتوقع. ولأن المرض لا يصادق أحدًا, أصبح الموت يأخذنا سريعًا ولا يترك لنا اختيار الوداع الأخير.

يومها خرجت ولم أدرك أن انكسار صمتها لم يكن عاديًا, كان اختيارها في أن تصنع وداعًا أخير. قبل أن ترحل, وهي راضية وسعيدة بالحياة التي عاشتها.

في المرات القليلة التي كنت أجلس وحدي في بعد وجودها. كنت أتأمل الكرسي الذي تجلس عليه, أراها فيه ولا يراها غيري. إنه بزحمة وجود الناس, فارغ! لا أحد يعرف أنها كانت هنا, لا أحد يهتم أني هنا. وقفت من على الكرسي, ومشيت قليلًا, أسندت ظهري عند أقرب جدار. ها أنا أترك مكاني فارغًا ليجلس عليه رجلٌ مع ابنته الصغيرة. هذه المرة لم أتابع شاشة الأرقام, ولا شاشة التلفزيون المعلق عاليًا.. حملت نفسي وخرجت قبل أن يصل دوري ودون أن أدخل لأتم مراجعات تحمل إلا علامات الأسوأ..

إني أتوجه إلى البيت سريعًا, أجهز أمتعتي لألاقي كرسي آخر يأخذني إلى الجنة..

تمت