2012-01-07

صمم











أذكر صرختين.. واحدة كنت أرتجي منها لفتة انتباه بمحيطٍ مزدحم بالغرباء وأشباه الأصدقاء. الموسيقى, هذا الشيء الجميل الذي يداعب الروح قد يعذبنا باللحن المزعج. الضوضاء جعلتني أصرخ! أما صرختي الأخرى فهي التي لحقت صرختي الأولى, حين فزيت من الحلم بعد أن تمنيت فيه أن يختفي كل صوت. ولم أسمع صرختي تلك!
أمنية تمنيتها ودون المتوقع تحققت. وحين خفت عليها, تكتمت على نفسي. ولم أخبر أحدًا عنها.

--

أرى وجهه غاضبًا, ثائرًا, جادًا.. يكلمني ولا أدري عن أي شيء يتكلم. أحس كأنما تداخل صوتان بحنجرة واحدة كما تتداخل موجات الراديو ببعضها. وأنا, برغم النبرة الجميلة التي كنت أسمعها بإنفراد, حين تشوّشت قررت أن أطفئها. لأني لم أعد أفهم ما يحدث ولا من يتحدث. لذا, وأنا أراقب وجهه كنت أدّعي الاهتمام أهز رأسي تارة وأرفع حاجبي تارة أخرى, وأدعي أن لا يلحظ عازل الفهم الذي بيننا والصمم الذي زال بعده وجع الرأس الذي كان يؤرقني في كل وقت. أنا ممتنة على الهدوء الذي عندي.
بعدما تأقلمت مع حالتي الجديدة, اكتشفوا أمري دون أن أخبرهم. يشفقون عليّ وهم يحسدونني سرًا. أعرف أنهم يحبونني, وأستطيع أن ألمس حبهم, وأراه وإن لم أكن أسمعه, لأنه يصلني دائمًا. أفعال الحب كثيرة, ففطيرة الجوز التي تعدها أمي مثلًا هي من أعمق أشكال الحب.. ومن ذاك الحب العميق الذي يحيطني به هؤلاء.. كان منهم أن يتحركون جميعًا ليبحثوا لي عن علاج.
أعرف أن لصدقتني "عالية" صوتٌ برغم أنه خجول إلا أنه جميلٌ جدًا خاصة حين تكون وحدها تغني قبل أن تدرك أن أحدًا ما يسترق السماع لها. وكم أفتقد صوتها ذاك!
طلبتهم أكثر من مرة أن يكفوا عن البحث والاستشارة.. قلت لهم أني بخير, وبأني حقًا لا أعاني من أي نقص. لكنهم يشفقون عليّ أكثر.. والسبب هو الحب!
يا أيها الحب, لماذا لا تكون جميلًا رقيقًا وهذا فقط دون تعب؟

--

يقول مختص بأني لا أحتاج جراحة فبعض العلاجات لا تتم إلا بالزمن. لكني أحتاج لشهورٍ من التدريبات التي خضعت لها إجباريًا. ولا هي سهلة, ولا أنا أريدها.ولكن فقط لأجل الحب الذي بيني وبينهم.
بعد عام, بذكرى صرختي الأولى اجتمعنا بحفلنا السنوي. وتوّج حفلنا صوت "علياء" تغني. سهرنا طويلًا, وفرحنا كثيرًا. وما لي بالنهاية إلا أن أشكر "علياء" على كل شيء.
كانت تقف عند الباب مع صديقٍ آخر يتهامسون.. وسمعت اسمي بين حديثهم وابتسامتي تتوسع, فاقتربت دون أثر, حتى فصلتني عنهم خطوات أوقفتني.وتلاشت ابتسامتي وهي تلتفت.. تلك الصديقة لم تكن حقًا صديقة, وذاك الحب, أناني جدًا.

في رأسي دار ألف سيناريو بثانية واحدة, ولما فتحت فمي لم أنطق. بلعت ريقي وصوتي. وأغمضت عيني كي لا تقرأ فيها أنني أفهم ويا حظ ذاك الذي لا يفهم. سحبت نفسًا بقوة وركضت صافعةً الباب خلفي ولا أعرف أين دخلت أو خرجت في بيتٍ ليس بيتي. صفع الباب ليس عنفًا مني, ولا عدم السيطرة بل هو إعلان استياء من أمرٍ ما. وأن ما نستاء منه يقع وراء ظهورنا خلف الباب. ويحدث كثيرًا أن نقفل على أنفسنا ونظن أننا حبسنا العام..
زفرة..
تمت!
:)

2011-12-09

إشارة

في الدقائق القصيرة التي أقف فيها عند الإشارة, تسير عيني -لا شعوريًا- على نفس الطريق بعدد السيارات التي تمر فيه. وأتعب, لأن عيني لا تحتمل حركتهم السريعة, وفكري يتشتت مع كل مرور. لا أعرف متى اكتسبت هذه العادة, لكني بدأت ألاحظها حين صرت أتضايق منها.

أن أصير نقطة في مركز يعني أن أنال على بيتٍ آمن من التغيير لأنه ثابت بجغرافية خارجة عن الزمن, كتبت لي الأبدية فيها. وبرغم لمعان فكرة الإنتقال لهناك وإغرائها, إلا أنها معاقة, لأني بها لن أتحرك\لن أتغيّر وبالتالي, دون أن أدرك, لن أحيا. 
يحيطني العالم, يدور, ولا يتحرك إلا رأسي بربع دوران, ولا أرى من كل ذلك سوى ربع عالمٍ أنا جزءٌ منه, وهو أكبر من أن يكون جزءً مني. وجوه الناس تتغيّر مع الوقت كلقطاتٍ كرتونية متتابعة, حركة واحدة في كل لقطة, لكنها مع العرض تبدو مثيرة وكثيرة.
ظننته كرمٌ مني أن أضع للناس محلًا في حياتي, وأخطأت حين جعلتهم أهم من حياتي.

في الحياة, حتى هؤلاء الذين يهيئون طرقًا لم يسر عليها أحدٌ من قبل, ويسيرون عليها, لا يخربونها بعد ذلك كي يحظو بإستثنائية السير فيها, بل يتركونها متاحة ومفتوحة, ليعرف كل من يمر فيها أنها موجودة, وأن هناك من قام بإنشاءها. ومن هذا, فالأهمية, ليست لما نملك, ولا كم نرى, بل بما يبقى. لذا, لن أخفض رأسي كي لا أرى زحمة السيارات, ولن أحاول أن أتعرف على كل مرور يعبر أمامي, لأني تعلمت أن أركز على الطريق.
: )

2011-11-08

نفنوف

خطواتي بطبيعتها سريعة.. لكني حين لمحت ذاك الشيء تباطأت حتى وقفت لبرهةٍ وراء الفترينة\أمام الفستان -أو كما نسميه بالعامية "نفنوف"- أتأمله بعيونٍ واسعة وبصمتٍ تام لم يقطعه سوى صوته
- حلو مو؟
-مو!
-دشي اخذيه
صوته والصوت الآخر برأسي يتفقان كثيرًا لكن...
-لا.. أساسًا ما عندي مناسبة وبعدين غالين.. بسعره آخذ ثلاثة.. 
لا أدري لماذا قلت جملتي الأخيرة أو كيف قلتها لأني لا أريد ثلاثة, واحدٌ فقط أعجبني, واحدٌ فقط يكفيني..
خرجنا وصوته لم يخرج من إذني وهو يقترح أن تأتي لاحقًا لشراء الثلاثة.. لحظتها أحسست بوجع لم يغطيه ابتسامه ولو يفهمها على كل حال.
----
الوقت بيني وبينه تحدٍ كبير.. نحن بالكاد نلتقي في المساء.. أنا منشغلة بوظيفتي الجديدة صباحًا وهو منشغلٌ بـ..كل شيء! ذات يوم, دخلت غرفتي لأجد "النفنوف" ينام على الكرسي ووراءه رجل يقرأ ابتسامتي.. غمز لي لأجربه, فـ طرت إلى غرفةٍ أخرى ذات مرآة أكبر وقفلت الباب مرتين.. أردت أن أفاجئ نفسي أولًا فيه. لبسته وأغمضت عيني لدقيقة أو اثنتين.. وفتحتها وأنا أواجه المرآة.

بعادتي أحتاج دائمًا إلى بعض التعديل -ولو كان مناسبًا- أحتاج لأن أضع لمستي فيه.. لكن هذا يناسبني تمامًا دون أن أضيف له شيء.. اختياري له هو لمستي فيه. أقترب حد الالتصاق ثم أبتعد لآخر مدى الغرفة.. أضع كرسي أمام المرآة وأنظر لنفسي بأكثر من زاوية لا أذكر بعدها إلا أسئلة, كل سؤال نزل بدمعة تهرب من عيني وتطبع على "النفنوف" وصوتٍ يطرق الباب بملل

-يلا.. نبي نشوف!
أسمح وجهي..أكتم عبرتي.. أخلع فستاني وأخرج
-مو لازم تشوفه.. أحسن نرده!
أجلسني وقتها على الكرسي أمامه وقال لي وهو ممسكٌ بيدي أشياء كثيرة عني وعنه وعن الحياة التي نحاول اكتشافها معًا.. إن قلبي لا يعرف هدوءً كما وهو معه.. حين أسمع كلامه ينقلب داخلي كلّه..
-أحبكِ لأنكِ من دون نساء العالم تجعليني سعيدًا! قصيرة, طويلة, سمينة, نحيفة, بنظارة, بدون النظارة, بيضاء, سمراء.. كل ذلك عندي لا يهم. مقياس الجمال هو حبك, أنتِ بعيني كل الجمال! والفستان مهما كان قياسه, سيكون جميلًا مادمتِ أنتِ زينته.. أنتِ لا تحتاجين مناسبة كبرى لتحظي بما تستحقين من السعادة. كل إنسانٍ يستحق أن يكون سعيدًا!
وبقلبي كله.. بكيت!
-----
وبقي "النفنوف" معلقًا في الخزانة.. أراه كل يوم وأخجل أن ألبسه.. إلى أن جاء يوم ميلادي واتفقنا على موعد عشاء في أحد المطاعم أعرف أنه يجهل مناسبته.. يفترض أن ينتهي من أحد لقاءاته ثم نذهب سويًا لكنني قررت أن أسبقه إلى هناك لأتفق مع العاملين هناك على مفاجأة أعدها له.. ليكون احتفالي الأول في يوم ميلادي معه له لا لي.. لأنه باختصار فرحتي.. 
كان قلبي يغني طوال الطريق بسعادةٍ لم تفارقني لحظة.. جلست هناك أنتظره وقلبي يترقب من يقص شريطه لافتتاح جديد وأتخيّل توقعاتي لردود أفعاله..
أقرأ اسمه على شاشة هاتفي.. أخبرني بعجل
- قلت أقولج خليها وقت ثاني أوكي؟ أشوفج بالبيت.. يمكن أتأخر لا تنطرين.. مع السلامة! 

حين وصلت الكعكة.. ببرودٍ جمدني أطفأت لهب شمعةٍ وحيدة بيدي لأطفئ لون خيبتي ولأستر على خطتي الفاشلة.. وكي أتعوّد على أن لا أخاف من وجودي الوحيد!

 وقتها همست بعدما سقط شريط قلبي
-أنا لا أريد إلا واحدًا.. واحدٌ فقط يكفيني هو أنت!
و"النفنوف" بمناسبته الكبرى لم يكن سعيدًا.. ومن قبل عودتي لا أحمل له إلا نيّة التخلص منه!



تمت 
(من وحي الخيال)
*الصورة ليست من تصويري هذه المرة

2011-11-04

الحمدلله

بداخلي فوضى ما تخيلت أن تترتب..
تفاجئ يومي مواقف كثيرة تضعني بحالة إنبهار بوضعية سيرها أو توازنها.. كأن تصلني رسالة من البنك تبدأ بـ "خصم من حسابك" ثم تليها مباشرة رسالة أخرى "أودع في حسابك".. أن أشتهي طبقًا لذيذًا فأجده ينتظرني بالمطبخ دون تعبٍ مني ولا مناسبة.. أن أدخل الـ"آفنيوز" دون أملٍ بإيجاد موقف أركن فيه سيارتي, ليفضى واحدًا بموقع استراتيجي ويعبره الجميع ولا يأخذه إلا أنا برغم الزحمة الشديدة.. كل شيء يجري بإيقاعٍ حسب خطة أعرف شكلها وأجهل تفاصيلها.
أنا ممتنة لدعاءٍ يصل إلى هاتفي كل جمعة
ممتنة للقاء أتمنى أن لا يكون عابرًا وأن يمتد ليكون صداقة مستقبلية جميلة
ممتنة لبرنامج "سكايب" الذي يجمعنا برغم آلاف الأميال التي تفصل بيننا
أن تهتم لأمر يعني أن تراه بمخيلتك وأمام عينك, أن تسمعه دائمًا, أن تكتبه وتردده على نفسك.. واهتمامك بسعادتك يعني أن تعدد أشكال سعادتك بقائمة مثلًا تصنعها آخر اليوم لذكر أسباب سعادة يومك.
أن تكون على قيد الحياة فهذه نعمة.. وأن تكون بصيرًا فهذه نعمة.. أن تتحرك.. أن يكون هناك من يحركك لو لم تكن تتحرك.. أن يكون هناك أملًا بأن تتحرك فهذه نعمة.. أن تحصل على ما تريد وأن لا تحصل على ما تريد فهذه نعم.. هنالك دومًا ما يستحق أن نكون ممنونين لأجله وأن نشكر الله عليه. فلنجمعها ولنضعها بسجدة. سجودي هو إتصالٌ يقربني من الله, سلامٌ لروحي, ترتيبٌ لحياتي وبركته أشهدها بأيامي.
: )

2011-10-15

مطر


الإنسان موّلع بالتجربة. لكنه الخوف الذي يوقعه في موضع تردد. إما التجربة والعقاب أو الأمان والفضول. ويحدث في كثيرٍ من الأحيان أن يغلب الفضول على خوف العقاب وخاصة عند هؤلاء المنغمسين بالحياة مثلي.

لا أذكر أول مرةٍ جربت بها المشروبات الغازية لكني لأسبابٍ عديدة أحببتها برغم أني حين أشربها أحس بقرصات على لساني كـ سمكاتٍ على شاطئ بحرٍ حار ما يلبث حتى تصعد منه أبخرته لتدغدغ أنفي فأضحك.

جاء من مصلحة اجميع أن تُمنع المشروبات الغازية لأسباب صحية بإستثناء مرة واحدة أسبوعيًا (طيبة خاطر) ولم يعجبني ذلك وليس منصفًا برأيي فبأي حقٍ أُحرّم من شيء أحبه؟ كان أهوّن لو لم أعرفه, لو لم أذق طعمه, لو لم أحببه لأتخلّص منه بسهولة...

لقاعدة "كل ممنوع مرغوب" أثرٌ عليّ كلما رغبت بشيء تذكرت أخي حين جاء ملهمًا ومستبشر: "تدرين الدعاء وقت المطر مستجاب؟" منذ يومها وأنا أحب المطر وأستبشر به وأنتظره لأنه يطمنني أنه بقدرة من السماء سيحدث أمرًا على الأرض. دعوت وأنا طفلة مرارًا "يا رب فانتا أحمر.. يا رب فانتا أحمر" أنام كثيرًا وأحلم بسماء غيومها حمراء.. كان هذا ببساطة كل ما أريده.

أما الآن فقد رفع الحظر عن المشروبات الغازية وما يهمني فلم أعد أستصيغ طعمها. صار عندي فانتا أحمر وبرتقالي وألون كثيرة لا أريدها.. عندي دعاءٌ طويل وحقًا اشتقت المطر!
: )

2011-09-06

كرسي

غرفة الانتظار, حيث أنا, حيث أكون.. على ذلك الكرسي. أراقب شاشة الأرقام كي لا يفوت رقمي وأضطر لأن آتي مرة أخرى, بالرغم أني على يقين بأني سآتي لمراتٍ كثيرة بعد هذه المرة, لكني لا أريد أن أتأخر أكثر, ولا أدري علامَ سأتأخر وإلامَ أنا مستعجلة. إني انتظرت طويلًا حتى نسيت ما أنتظر. ولست وحدي أنتظر, فأحلامي تنتظر دورها لليقظة كما الأشياء التي لازلت أعشم نفسي بها, وكل ما حاولت الاقتراب منه ومني يبتعد. تعودت أن آتي كل أسبوع حتى صرت أحفظ رائحة المكان, طهره, حوائطه الخالية إلا من بعض الزرقة, والملصقات التوعوية المملة. قضاء أوقاتٍ طويلةٍ على هذا الكرسي يحرر بالي من التزامات تقيدني خارج البنيان الذي أنا فيه. كل شيء هنا بيني وبين هذا الجسد المتعب. ولولا حاجتي لما جئت, لكنت في مكانٍ آخر.. "سانتوريني" مثلًا. في بيت لا تقاس مساحته بالمتر المربع, وإنما بالسعادة التي تسكن داخل جدرانه. البيوت تنام على البحر, وتنكشف على السماء, كأنها مجسمات ألعابٍ صغيرة تغريني بأشكالها وبنيانها. إنها جنة على الأرض, جنة لا أستطيع الوصول إليها.

الوجوه هنا تمر كالأشباح, خالية من التعابير, سريعة كالريح. بت أألف بعضها. الناس يدخلون ويخرجون دون صوتٍ أو تحية. لعله التعب الذي يحوم فوق أرواحنا المنهكة قد تلاقى\تعارف على بعضه فتكتفي الأغلبية بالجلوس بصمت لأن أوجاعهم أشد من رغبتهم للتعارف أو الحديث.

في يوم, خرجت سيدةٌ كبيرة من العيادة وجلست بالكرسي المجاور لي حتى تأتي خادمتها بالأدوية, أو يصل سائقها قرب الباب. كما جرت العادة منذ عرفتها قبل عامٍ ونصف. هي منهم, لا تحكي كثيرًا. تسألني عن حالي, نتبادل أحاديث قصيرة إلى أن يصل الدور ونكتفي. وكنت أحبها لأنها لطيفة. أذكر أنها بغمرة فرحها دعتني لحضور زفاف نجلها\آخر أبنائها وأصغرهم لأشهد أجمل أمانيها تتحقق. ولما لبيت الدعوة فرحت بي جدًا. حين رأيتها تلك الليلة, كانت امرأةً أخرى, تشع فرحًا. وبريق عينيها لا يخفى عن أحد, على خلاف مرضها التي استطاعت أن تخفيه بشكلٍ محترف.

قالت لي: الموت يعرف مداخلنا جيدًا. إنه ليس بحاجة للطرق على أبواب أرواحنا ليصل إلينا مادام يحتفظ بنسخٍ من مفاتيح الخوف المفاجئ لأسباب أبعد مما نتوقع. ولأن المرض لا يصادق أحدًا, أصبح الموت يأخذنا سريعًا ولا يترك لنا اختيار الوداع الأخير.

يومها خرجت ولم أدرك أن انكسار صمتها لم يكن عاديًا, كان اختيارها في أن تصنع وداعًا أخير. قبل أن ترحل, وهي راضية وسعيدة بالحياة التي عاشتها.

في المرات القليلة التي كنت أجلس وحدي في بعد وجودها. كنت أتأمل الكرسي الذي تجلس عليه, أراها فيه ولا يراها غيري. إنه بزحمة وجود الناس, فارغ! لا أحد يعرف أنها كانت هنا, لا أحد يهتم أني هنا. وقفت من على الكرسي, ومشيت قليلًا, أسندت ظهري عند أقرب جدار. ها أنا أترك مكاني فارغًا ليجلس عليه رجلٌ مع ابنته الصغيرة. هذه المرة لم أتابع شاشة الأرقام, ولا شاشة التلفزيون المعلق عاليًا.. حملت نفسي وخرجت قبل أن يصل دوري ودون أن أدخل لأتم مراجعات تحمل إلا علامات الأسوأ..

إني أتوجه إلى البيت سريعًا, أجهز أمتعتي لألاقي كرسي آخر يأخذني إلى الجنة..

تمت

2011-08-07

عفا الله عما سلف

إنت تبكي وأنا أضحك, وأصدق تعابيري الضحك
ما أتمسخر, وما هو ضحكي قل إحساس
بمكانك كنت واقف, وظلموني حيل هالناس
حسبتها فطنة مني, قلت أختصر طريقي لهم
عساي أفلّح بالقياس..
ما يعينني عليهم إلا رضاهم عليّ

صرت أمشي شكل فخار أو قطعة خزف
مثل تمثال من كثر النحت فيه انتلف
وجابوا غيره!

بدلوني بسهولة وبسرعة نسوني
ولا كأني لأجلهم ضحيت
وقتها صرت أضحك.. وهقوّة الناس جنيت

الحقيقة, بعد ما اختبرت الشعور
عرفت إن الخضوع ما هو للناس يكون
والحال لو طال عمره أبدًا ما يدوم

وجودي بهالدنيا مو عبث
ربي خلقني لهدف

خطاهم من خطاي لنفسي
خلاص, الماضي طويته
ويومي الحاضر غير أمسي

وعفا الله عما سلف!

2011-07-11

لوحة


لي أيام نسيت أن أعدها, أصحو على منظر ورود أوركيد بنفسجية, كومة ملابس يفترض أن أضعها داخل الخزانة, مجموعة أكواب يتغيّر ما فيها ولا تتغيّر أماكنها.. وشيءٌ آخر هو كانفا بيضاء مستلقية على سطح المكتب تذكرني بإصرار أني أتجنب الحياة بتجنبي لمشاكلها, وأني صرت أسير بنمطية غير معتادة لحياة مملة لا تشبهني. ما أكثر المواعيد الفائتة, والأعمال غير المنتهية, والمشاريع الوهمية الكثيرة.. البياض يستفزني دومًا, أسمعه دائمًا ينادي إنتباهي لأملأ فراغه أو لأخلصه من أحاديته. إن لوحة في اللوفر تتساوى مع لوحة في مطبخ جدتي بالرغبة في أن تسكنهما روحٌ ما.

روحٌ تشبه روحي, أو تشبه روحك, ولا يهم ما شكلها, ولا يهم إن كانت أرواحنا حديثة الولادة أو أنها أسطورةٌ عاشت ملايين السنين. اللوحة حياة, والحياة لوحة. إن لم نلمس الحياة لن نعرفها أبدًا. لأنه لا يكفي أن ننظر من بعيد لنحس بلوحة فنان أطلق أحاسيسه في فيها. علينا حتى نكتشف اللوحة, أن نعيشها بشكلٍ ما, أن نستودع فيها شيءٌ منا لتكون هي شكلنا بعدما نغادرها, وحتى إذا ما مر يومًا أحد, تعرف علينا منها. الحياة تدعونا دائمًا لأن نخلق شيءً وأنت من يحدد طبيعة ذاك الشيء.

في غمرة الحياة, ستدرك أنها مليئة بالمشاكل, لا تقلق عليها بل استمتع بها. قد لا تصيب بإختياراتك, وقد تجف ألوانك وأنت في وسط اللوحة, وقد تضطر لإضافة ألوانٍ جديدة, الحياة مرتفعات ومنخفضات. ولسنا على مستوى واحدٍ منها. وما جموع التناقضات فيها من حزنٍ وفرح, وحكمة وجنون, إلا جزءٌ من الصورة الكبيرة. اللوحة لا تكتمل بنا, ولا تكتمل قبل أن نكتمل وأنا لا أحس أني أبدًا سأكتمل. أعترف بوجود شيء\أشياء في الحياة تشغلني دائمًا عن الحياة. فأأجل, أعلق أحلامي, أقيد خطواتي.. لم أدرك بأنني أصبحت أسيرة اللوحة. حان وقت البدء, وليس هناك توقيتٌ مثالي له, فكل لحظة هي اللحظة المناسبة.

ليس الغرض من اللوحة\الحياة أن تعجب الناس.. النجاح هو أن تجرب يكون عندك لوحة.
:)

2011-06-15

غريب

بعد البعد..
لما كل شخص فينا راح وابتعد..
ومرت أيام, وأسابيع, وشهور أسرع مما كنا نعتقد..
نجتمع تالي بموعد, وإلا صدفة من غير ما نستعد..
أطري كل اللي انشغل بالي بذكراه..
صورةٍ, صوتٍ, وإلا عطرٍ, أو حتى تحاياه..
شي منه يظهر إنه تغيّر, وشيٍ ما أعرفه مدسوس بخباياه..
سالفة تنقال وترجي ضحكته وما تنال منه غير دمعته..
ما هو بسهولة انتقلنا من حالٍ إلى حال..
لأجل علمك ترى.. ما يسكن الأشياء مارد من تمسح عليه يطلع يقول اطلب أمرك مستجاب, هات ما عندك وكل ما تريد..
الحياة تطلب منا تضحية..
مرة ناخذ, مرة نعطي, ومرة نتفرج من بعيد..
بعضنا يصنع من حياته تاريخٍ جديد..
وبعضنا الثاني هو للماضي يعيد..
كثر ما تغيّرنا وتغيّرت الأيام فينا..
صار كل منا للثاني غريب!

2011-05-25

إستثناء

الأفكار تتضارب, والصخب في رأسي صار عاليًا. كان لابد لي أن أصل إلى حل. أن أجلس مجتمعة بأفكاري. أسمعها, وأكتبها, وأقرأها لأفهمها وأرجع أكررها حتى أحفظها..
بقيتُ لمدةٍ ليست قصيرة من الزمن أعتقد أن الانسان لا يحصل إلا على ما يستحق. وأن للحياة طبيعة ثابتة تسير عليها دائمًا وأبدًا. ببراءة الطفولة دخلت من بابٍ جديدٍ للحياة لم أتوقع أن يخالف فرضياتي التي آمنت بها. فما كل عجوزٍ تجيد صنع الحلوة اللذيذة, ولا كل طفل يعيش طفولته, وليست الأشياء التي أراها هي دائمًا كما تبدو. وبسذاخة مطلقة كنت أرسم خطوطًا للحياة, نظامُ سيرٍ قمت به بنفسي وخدعت به نفسي. إنه بلا شك نظامٌ فاشل بالرغم من أنه مفيدٌ جدًا إلا إنه لعدة أسباب وعلى رأسها مثاليته, والمثالية تفقد الشيء واقعيته لهذا لا يمكن تطبيقه ولا يصلح. كان ظني, وليست الظنون كالإعتقادات. فحين نعتقد, نحن نفكر, وبناء على ما نفكر به نحكم. أما حين نظن, نحن ببساطة نميل لرأي ولا نكون بالضرورة متحققين منه. أرجع إلى ظني, وعلى سبيل المثال.. كنت أرى جميع الأطباء ملائكة رحمة, يتسمون جميعهم بالأمانة والإخلاص وأرفع مراحل الإنسانية فلا يؤذون أحد داخل نطاق مهنتهم أو خارجها. لكني كنت على خطأ. وظننت أن على الكاتب أن يدرس الأدب, وعلى الفنان أن يدرس الفن, وعلى الممثل أن يدرس التمثيل.. وها أنذا على خطأ مرة أخرى. لمدة, لم أقبل أن يكون للانسان عدة أدوار فهذا رياء وتشتيت لشخصيته. وأنه حتى يتمكن الشخص من الإعتراف أخيرًا بذاته يجب بشكل مشروط أن يكون محترف فيما يقوم.
هناك من أسميهم "فنانين فالصو" تكون أهدافهم على أغلب الأحيان غير سامية. ما يكون ظهورهم إلا زيادة لشهرتهم وإرضاءً لغرورهم الشخصي. أنا ببساطة أرفض فكرة الإستعجال, فمن تعجل في شيءٍ فقده. كي يكون الشخص مستعدًا, وفنانًا حقيقيًا يجب عليه أن يتمكن من جميع أنواع الفنون في مجاله إن كان النجارة أو التمثيل أو الرسم أو غيره. لكن ما وصلت إليه الآن, يجعلني أدرك أنه لطالما عند الإنسان فكرة في أي مجال, مهما كان بعيدًا عنه في الواقع, ولو مهما كانت بساطة الموضوع فبإمكانه أن يأتي بفائدة وأن يلمع بنجاح. لا يعتمد نجاح الشخص على أن يكون أفضل من البقية. فسيكون هناك دائمًا من هم أفضل منك. كما ليست هناك مقاييس معتمدة للأفضلية فكلٍ يرى حسب خلفيته وحسب الظروف التي هو بها. لكن النجاح الحقيقي يقاس بتميّز الشخص, ورضاه عن تقديمه وإنجازاته في الحياة. نحن لا ما يقوله الناس عنا, إنما ما نصنع ونصدق أنه نحن.  كان التعميم غلطة كبيرة, تعلمت منها أننا جميعًا استثناء. وأن الشخصية القوية, ما هي إلا تراكيب من شخصيات اجتمعت لتكوّن استثناءيتنا. فلا تخف من شتات نفسك, ولا تخجل من تجربة شيء جديد, ولا تحزن على الفشل فلا شيء يضيع. وكل خطواتنا, هي جزء من كتاب نجاحنا.