قد يقع القارئ من النظرة الأولى في حب "مذكرات بنت بطوطة". فبجانب أنه كتاب خفيف الهضم فهو أيضًا جذاب في شكله وألوانه.
اسم بنت بطوطة بالذات يوحي بوجود علاقة بين ابن بطوطة ومذكرات بنت بطوطة التي نقرأها. لكن الكتاب جاء خلاف ذلك, فـ"بنت بطوطة" لم تسلك الطرق التي سلكها ابن بطوطة, ولم تتحلى بصبره. وإنما وجه الشبه الوحيد كان فقط في حبهم للترحال. لذا كان من الأفضل برأيي لو تغيّر اسم الكتاب إلى مذكرات رحالة أو شيءٍ من هذا القبيل.
انطباعي عن بنت بطوطة هو أنها إنسانة ذميمة, فتارة تقول بأن الشعب الهولندي لا يعرف الأناقة, وأن الشعب الألماني فظ وغير لبق. وهذا سيء, لأنها تحكم بذلك على شعبٍ كاملٍ من خلال فئة فيه وهذا يدل على عجزها في الوصول لأعماق الحضارات والاكتساب بالتعلم منهم. كما في قولٍ لها " أنا ألعن الحظ السيئ الذي جعلني أستقل هذه السيارة!" فهي لا تعرف الصبر, وسريعة الحكم. فبمجرد وقوع أي حادثة كـ مقابلتها لمدمن المخدرات في فرنسا الذي قالت من بعده أن فرنسا قبيحة وحزمت أمتعتها وحددت وجهة أخرى لتنتقل لها. كما أن موقف حادث الطريق وموت الفتاة, ضياع حقيبة السفر, السرقة وغيرهم ينبهونني على تركيز بنت بطوطة على تذكر المواقف السلبية أكثر من الإيجابية. علمًا بتكرار أنها لم تجد شيءً في زياراتها جاء مملًا, خصوصًا وأنها لا تعرف ما تريد أصلًا!
وجدت بقراءتي بنت بطوطة تصوّر الوطن لمن لا يعرفه بأنه مكان ممل وروتيني ويجب الهروب منه. لكنها تحن إليه وتشفق عليه بأحيانٍ كثيرة. سردت الكاتبة مواقف وقصص تحتوي على تفاصيل لم يكن لها داعٍ مثل " أخرجت من حقيبة يدي رواية شقة الحرية لغازي القصيبي وبدأت أقرأها. كانت المرة الرابعة أو الخامسة التي أقرأ فيها هذه الرواية! لا أدري ام أشعر نحوها بحنين خاص, ربما لأنها تذكرني بمصر وأيامها!" وأنا لا أظن بأن القارئ كان بحاجة لمعرفة هذه المعلومة خصوصًا وأنها لا تضيف شيءً لمحتوى الحكاية. كما أنها ذكرت في رحلتها إلى تركيا أننا نتشابه معهم في الكثير من العادات والتقاليد دون ذكرها كما في موضع آخر قالت أنها أمضت أسبوعًا جميلًا لكنها لم تذكر ما مصدر ذلك الجمال. أعتقد أن الكاتبة تعذب القارئ بهذه العبارات التي تسير به لكنها لا تأخذه إلى أي مكان. واضحٌ من أن الكاتبة تحمل الكثير من الأفكار إلا أن هناك عائق وحيد وهو عدم ترتيب تلك الأفكار قبل الكاتبة مما شكل نوعًا من الفوضى في النص. فالكتابة كالطبخ تحتاج لوقت وعناية كي تنضج, وهي رغم طبختها اللذيذة إلا أنها خرجت ناقصة.
كان لبنت بطوطة أن تدرك من البداية أن كل شيء يأتي من الداخل. وأي شيء يستحق أن نحصل عليه, يستحق أن ننتظر لأجله لكنها لم تنتظر شيءً.
"سارة" هي قصة قصيرة تدور أحداثها في 118 صفحة من الحجم المتوسط. لها دخول رائع عن علاقة زوجية يتمناها الجميع. وتحمل معاني جميلة عن الحب والصداقة والوفاء.
جاءت الحوار في القصة باللهجة العامية وأتذكر بذلك قول الأستاذ فؤاد قنديل: طلب الدقة قد يدفع بعض الكتَّاب إلى استخدام الألفاظ العافية أو اللهجة المحلية, متعللين بأن وصف هذه الحالة أو التصرف بالذات كان متعذرًا بالفصحى, وبدت لهم العامية على ذلك أقدر وأدق. إلا أني لا أأيد ذلك وتمنيت لو لم يسهب الكاتب في ذكر الحوارات التي غطت القصة كلها. ولي ملاحظة أخرى وهي أن حوارات الطفلتان لم تناسب أعمارهما ففي سن الثامنة أو حتى السابعة يكون الأطفال قد تعلموا الحسابات وربما حفظوا جداول الضرب فلم يكن مناسبًا أن يغالطها في عمر "علاوي" حتى تقول "لا يبا ثمانية ناقص ثلاثة يساوي خمسة!" كما أن حواراتهم أخذت اتجاه فلسفي لم يكن لوجوده داعٍ كما حين يسألها "أبو "روّونة" وينه؟ لترد "مسافر مع النسيان" أعتقد أن إجابات الأطفال تختلف عن ذلك. في جانب آخر هنالك خلل في ذكر المواعيد فعند الفصل الأول يتناول يوسف وشهد وروان عشاءهم في القهوة الشعبية ثم تأتي روان مرة أخرى في الفصل الثالث تحكي لجدتها عن ذلك فتقول: "يدتي يدتي.. طافج كلينا نخي وباجلا وحركات مثلكم قبل." ثم تتابع بعد أن تسألها الجدة: "وين ومتى؟" لترد: "اليوم في المقهى الشعبي.. أبو رفيجتي شهوّدة شرالنا." فكيف يحصل ذلك؟ وعند قول يوسف لزوجته سارة "فديت فلبج" لترد "يا حياتي انتا" ويرد "يا روحي انتي"..أليست في ذلك مبالغة؟ أعتقد أن الزيادة في الشيء تفقده جماله وقد وجدت في كلامهم ما هو فائض ولا حاجة له مما أفقد النص بعض واقعية.
المثير في القصة أن النهاية تخالف كل التوقعات. والتي دفعتني لإعادة قراءة الفصول السابقة لأعرف سبب فضول يوسف في التعرف عن قرب على حياة أم روان.