2011-02-05

كتب وكتّاب



كان للقصيبي "ألزهايمر" ولـ الطاهر بن جلون "ألزهايمر" الذي أصاب بطلته أيضًا. فربما كان إنتشار المرض الذي بات صعب نكرانه هو الذي دفعهم إلى الكتابة عن ذلك المرض المتعب. على أي حال, فرواية "حين تترنح ذاكرة أمي" هي لكاتب مغربي لم يختر كتابة روايته بالعربية فأخذت النسخة المترجمة منها وليست هي المرة الأولى التي ألتقي بها مع هذا الكاتب بأحد رواياته فقد سبق وأبهرني في روايته "تلك العتمة الباهرة" من قبل. مما وجدته عبر قرائتي هو رابط بينهذه الرواية ورواية "صوفيا" لمحمد حسن علوان فكلاهما تبدآن بالنهاية. كتبت سطورهما على حواف الموت, هذا نوعٌ من الروايات يشترط حتى تقرأها أن تقرأ ما بين موتين, موت أول وموتٌ أخير.
أما ففي رواية "حين تترنح ذاكرة أمي" وهي عن اللافاطمة, صبية تزوجت وهي في الخامسة عشر من عمرها وكان لها زواجين آخرين بعد زواجها الأول. وأنجبت بنتًا ومجموعة صبية, ولم تكن قد عرفت أي من أزواجها قبل الزواج منه. ولسوء حظها ماتوا جميعًا. أما الأول فمات بعد زواجها بأقل من السنة بعد أن قضى عليه المرض. أما الثاني الذي طلق زوجته الأولى بعد الزواج منها بغية أن تأتيه بالولد وهو من تزوجته بعد رحيل زوجها الأول بفترة قصيرة فمات من مريضًا أيضًا. والثالث ما لبث حتى تبعهم ليحسب بعداد الأموات. لتبقى هي مع خادمتها "كلثوم" تلك المرأة السليطة التي تعودت مع الزمن على قسوتها حتى إعتبرتها الزوج الرابع الذي يؤذيها ويزعجها ومع ذلك لا تستطيع التخلي عنها. هي لا تدري ما الذي تعاني منه بالضبط, تعتقد أنه تأثير العقارات والأدوية التي تتناولها هي التي أثرت على ذاكرتها وجعلتنا كثيرة النسيان. ومع ذلك إنها لا تتذمر من المرض, بل ولا تخاف من الموت. ولعل فكرة أن تفقد حبيب أشد عليها من موتها نفسه. إنها تحس بالموت يحوم حولها, لكنها تجهل وقته. لكنها حرصت على أن تستعد له كإستعداد عروسٍ لزفافها. أرادت جنازة بهية, فرحة, لا دموع فيها ولا حزن. فكل شيء إلى زوال, والحزن لن يرجع ميت من قبره. كانت لها أمنية صغيرة, طلبٌ أخير من الدنيا وهو أن يتذكرها الناس يوم موتها وبعد موتها بالأشياء الجميلة كرائحة البخور الطيبة وهذا ما نالته.
إنها رواية عن الحياة, الموت, والمرض. ليس فيها شيء غير عادي, وبنظري هذا أحد أسباب نجاح الرواية وهو أن كثيرٌ منا قد مر بنفس الأحداث أو ما شابهها لذلك فهي قريبة لأننا عشناها ولم نقرأها فقط. وصفت الرواية شكل الحياة في المغرب, بعض العادات, الطقوس الدينية, الحياة الزوجية, والطبيعة السياسية.
::: 

برع الكاتب أنيس منصور في كتابة "الوجودية" بدمج الفلسفة مع الحياة بما يمّكن القارئ العربي من استيعاب معناها بعيدًا عن أي تعقيدات وبكل بساطة. أعتبر هذا الكتاب إضافة رائعة للفكر خصوصًا لما يقدمة من معلومات لن أقول بأنها تجيب أسئلة القارئ بل ستحثه على المزيد من البحث بعد أن يتعلم صياغة أسئلته بنفسه والتي بدورها ستفتح عينه على الحياة ليراها بفهمٍ أكثر ووضوح.
من الإقتباسات التي أعجبتني:
"الفلسفة وجهات نظر فردية, وهذا الإختلاف ليس بلبلة عقلية, وليس مرضًا أو هلوسة, وإنما هي طبيعة الحرية وطبيعة "الصحصحة" العقلية."
"لقد سمعتهم يهمسون.. وكل شيء يبدأ همسًا ولكن الأعمال صارخة."
"قد يكون الإنسان طاهيًا ممتازًا ولكنه ليس أحسن الناس تذوقًا للطعام."
"العالم هو الذي يترصد كل شيء ويحسه وينظمه ويضعه تحت أسماء مختلفة.. إنه يرصد حركاتك.. ولكنه لا يتحرك مثلك"
"الإنسان الحر هو الإنسان المسؤول, والإنسان يهرب من المسؤولية ولهذا يهرب من الحرية, ويلقي بها على أكتاف الآخرين."
::

أما محمود درويش في "ذاكرة للنسيان" فقد أبدع إبداعًا خلاقًا. لا تطول الكتب التي تحتوي السياسة في يدي قبل أن أرميها. لكنه هنا اختلف. فهذا كتاب بصوتٍ وطعم ورائحة; صوت الصواريخ والإنهيار السريع, صوت الضمير وقوة الإرادة. طعم الغربة المتعبة, الشتات الفلسطيني الذي لم يجتمع بعد, ورائحة القهوة بلا شك.
يقول محمود درويش
"لا يعرف البحر من يراقب البحر. لا يعرف البحر من يجلس على الشاطئ. ولا يعرف البحر من يأتي إليه ليرى مشهدًا. لا يعرف البحر إلا من يغوص. يجازف. وينسى البحر في البحر."
"كي نعود إلى هناك. لابد أن نكون في مكان ما, فالعائد -إن عاد- لا يعود من عدم."
"القهوة لا تشرب على عجل. القهوة أخت الوقت. تحتسى على مهل.. على مهل. القهوة صوت المذاق, صوت الرائحة. القهوة تأمل وتغلغل في النفس وفي الذكريات."
"سأشرب القهوة الآن, لأتميز عن خروف, على الأقل, لأعيش يومًا آخر, أو أموت محاطًا برائحة القهوة..."
"ينجبون الأطفال ليحملوا أسماءهم, ليحملوا عنهم عبء الاسم أو مجده. إنه تاريخ طويل من عملية البحث عن توقيع على زمان أو مكان, ومن حل عقدة الاسم في مواجهة قوافل النسيان الطويلة..."
"لأن القهوة, فنجان القهوة الأول, هي مرآة اليد. واليد التي تصنع القهوة تشيع نوعية النفس التي تحركها. وهكذا, فالقهوة هي القراءة العلنية لكتاب النفس المفتوح.. والساحرة الكاشفة لما يحملة النهار من أسرار."

11 comments:

Reem said...

يا الله يا سيما ..
أريد قراءتهم الآن .. جميعاً

OPENBOOK said...

السلام عليكم...
سررت بزيارة المدونة والتعرف على ادراجاتها القيمة المتنوعة في كافة المجالات...تمنياتي بالاستمرارية والنجاح...
دمت بخير...

مـي said...

ما شدني كتاب الزهايمر ولا لفت انتباهي انيس منصور
لكن محمود درويش في ذاكرة النسيان إبداع في إبداع
اقتباسات البحر رائعة
مفهوم البعد عجيب
والأجمل .. تغزله في القهوة

مشكورة اسوم
صباحك قهوة بأحلى نكهة

BookMark said...

الأحلى عرضك لهذه المختارات

أوافق مـيّ في أن لمحمود درويش نصيب الأسد من الإبداع ;)

صفحات مُلطخّة بحروفي said...

عجبتني اقتباسات "الوجودية" ،
راح أبتاعها باذن الله قريباً =)
-
نحنُ بحاجة لمثل هذه البوستات ،
[مشكورة] ..

..pen seldom said...

أنا ايضاً أريد الكتب كلها الآن بين يديّ !

أبحرتي بنا في عمق كل كتاب

وكنت خير دليل ، وأجدتي شدّنا بأنتقائك الرائع لبعض الاقتباسات ..

شكراً لكِ

:)

Addictioneer said...

ماشالله عليج شوقتيني للقراءة

violin said...

أنيس منصور -الوجودية

محمود درويش -ذاكرة للنسيان


أضفتهم لقائمة كتبي :)

شُكراً سيما

{f}

Skon elayl said...

أسلوبك جذبني لآخر كلمه ")
راقت لي الكتب :)

AM.SA.CHANNEL said...

حين تترنح ذاكرة أمي شكلها هالرواية حلوة الصــراحة حلوة عيبتني بدورها

و عن كتاب ذاكرة للنسيان كذا مرة قلبته في المكتبة شفته حلو

و الله يرحمه محمود درويش

خاتون said...

السلام عليكم...

عزيزتي سيما عجلي بالمدد
فإننا نتوق لقراءة المزيد منك

أتردد على مدونتك تقريبا
بشكل يومي بحثا عن جديد

ولازلت انتظر...